ابن حمدون
282
التذكرة الحمدونية
ووجدت في سفري هذا - أيد اللَّه الأمير عزّ الدولة - فضلا في زماني عن المهمات ، يستروح [ 1 ] النفوس إلى توفيره على المحبوبات ، فاعتمدت منها التصيّد تأدبا بأدبه - أطال اللَّه بقاءه - في الولوع به ، واعتمادا لعائدته على من يحضرني من أوليائه وعبيده ، في قوّة أبدانهم ونشاطها ، ورياضة خيلهم وانبساطها ، واعتيادهم طراد ما يسنح ويعنّ ، واستثارة ما يستكنّ ويستجنّ ، وإغرائهم بطلب ما يحاولونه ، وإضرابهم عن الفتك بمن يساورونه ، إذ كان هذا الأمر مثالا يحتذى في مطاعنة الفرسان ، ومنهجا يقتفى في مطاردة الأقران . واتفق لي من السرور لذلك يوم غاب نحسه وهوى ، وطلع سعده واعتلى ، وصدّق اللَّه أيامنه وسوانحه ، وأكذب أشائمه وبوارحه ، بما رزقناه من اجتماع الصيد ووفوره ، وكثرته وجمومه [ 2 ] ، وسهّله لنا من إدراك ما طلبناه منه وأرغناه ، والوصول إلى ما اعتمدناه وانتحيناه ، بظلّ مولانا الأمير عزّ الدولة - أدام اللَّه عزه الممدود علينا - وبركة اسمه الذي به استنجحنا والزمان ساقطة جماره [ 3 ] ، مفعمة أنهاره ، مورقة أشجاره ، مغرّدة أطياره ، ونحن غبّ سماء أقلع بعد الارتواء ، وأقشع عند الاستغناء ، والبقل خضل ممطور ، والنقع ساكن محصور ، والرياض كالعرائس في وشيها ومطارفها ، متجلية في خلعها وملابسها ، متبرّجة في حللها ومجاسدها ، باسطة زرابيّها وأنماطها ، ناشرة حبراتها ورياطها ، زاهية بحمرائها وصفرائها ، تائهة بعوانها وعذرائها ، كأنما عارضت [ 4 ] عصبا ، أو فاخرت صحبا ، أو احتفلت لوفد ، أو هي من حبيب على وعد ، تتبارى طيبا وحسنا ، وتتفاوح أرجا وعرفا ، فما نرد منها حديقة إلا استوقفتنا بهجتها ونضارتها ، واستنزلتنا جدّتها وغضارتها ، وخيلنا كالأمواج المتدفّقة ، والأطواد الموثقة ، متشوفة عاطية ،